القاضي عبد الجبار الهمذاني
33
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وكذلك القول في سائر المخالفين ، الذين قد اتفقوا في التدين ببعض المذاهب عن شبهة ، فإنهم يعتقدون ويظهرون ، إما فعلا وإما قولا ، على الوجه الّذي يقتضي تدينهم ؛ وقد بينا من قبل اجتماع الجماعة على الصدق الواحد ، وأنه إنما صح لأنه بمنزلة ما لها فيه نفع ، على ما بيناه ، في إظهار ما يدل على المعرفة ، وفي تعريف الغير . فلذلك صح اتفاقها عليه ، وامتنع اتفاقها على الكذب ، وقد بينا أنه كالمتعذر فيما نعرفه من العادات ، كما أنه يتعذر أن يجتمعوا على الأكل في وقت واحد ، إذا لم يكن هناك سبب جامع ، كالمواطأة أو ما يقوم مقامها . واعلم أن الداعي إذا انتفى عن الجماعة الكثيرة ، أو ما يقوم مقام الداعي ، إلى أن يتفقوا على بعض الأفعال ، فالواجب أن ننظر ، فإن حصل هناك صارف عن اتفاقهم في حالة واحدة وجب القضاء به ، لأن هذا الصارف في أنه يقتضي المنع من اجتماعهم « 1 » على ذلك الفعل ، بمنزلة الداعي الّذي يقتضي اجتماعهم على الفعل في وقت واحد ، وأوقات ؛ على ما قدّمنا القول فيه ، وهذا واضح ، لا شبهة فيه ، فأما إذا لم يمكن أن يبين حصول داع صارف لهم عن الاجتماع في الفعل الواحد فالواجب أن يرجع في امتناع ذلك إلى العادة ، من غير تعليل يذكر في هذا الباب لأن المتعالم الّذي لا شبهة فيه : أن العلل لا تدخل في الأفعال والتروك ، سواء اختصت بقادر واحد ، أو بجماعة ، وإنما يصح أن يذكر فيه الداعي ، أو ما يقدر « 2 » تقدير العلل من حيث علمنا بالدليل أنه يقتضي اختيار الأفعال أو التروك ، فأما إذا لم تكن الإشارة إلى الداعي في ذلك ، فالواجب أن يعتمد على ما يحصل لنا من العلم بالعادة ، دون ذكر سبب أو تعليل ، لأن ذكر ذلك لا يصح ، والمعلوم
--> ( 1 ) الأقرب لرسم « ط » أنها اجتماعهم ، وهو الأشبه بالسياق ؛ وفي « ص » : إجماعهم . ( 2 ) في « ط » : أو ما يقوم .